ابراهيم بن عمر البقاعي

674

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما كان في قولهم « ما أنزل اللّه على بشر من شيء » صريح الكذب وتضمن تكذيبه - وحاشاه صلّى اللّه عليه وسلّم ! أما من اليهود فبالفعل ، وأما من قريش فبالرضى ، وكان بعض الكفرة قد ادعى الإيحاء إلى نفسه إرادة للطعن في القرآن ؛ قال تعالى مهولا لأمر الكذب لا سيما عليه لا سيما في أمر الوحي ، عاطفا على مقول « قل من أنزل » مبطلا للتنبؤ بعد تصحيح أمر الرسالة وإثباتها إثباتا لا مرية فيه ، فكانت براهين إثباتها أدلة على إبطال التنبؤ وكذب مدعيه : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى أي بالفعل كاليهود والرضى كقريش عَلَى اللَّهِ كَذِباً أي أيّ كذب كان ، فضلا عن إنكار الإنزال على البشر أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ أي والحال أنه لم يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ فهذا تهديد على سبيل الإجمال كعادة القرآن المجيد ، يدخل فيه كل من اتصف بشيء من ذلك كمسيلمة والأسود العنسي وغيرهما ، ثم رأيت في كتاب غاية المقصود في الرد على النصارى واليهود للسموأل بن يحيى المغربي الذي كان من أجل علمائهم في حدود سنة ستين وخمسمائة ، ثم هداه اللّه للإسلام ، وكانت له يد طولى في الحساب والهندسة والطب وغير ذلك من العلوم ، فأظهر بعد إسلامه فضائحهم أن الربانيين منهم زعموا أن اللّه كان يوحي إلى جميعهم في كل يوم مرات ، ثم قال بعد أن قسمهم إلى قرّائين وربانيين : إن الربانيين أكثرهم عددا ، وقال : وهم الذين يزعمون أن اللّه كان يخاطبهم في كل مسألة بالصواب ، قال : وهذه الطائفة أشد اليهود عداوة لغيرهم من الأمم وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ أي بوعد لا خلف فيه مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ كالنضر بن الحارث ونحوه . ولما كان الجواب قطعا من كل منصف : لا أحد أظلم منه ، بل هم أظلم الظالمين ، كان كأنه قيل : فلو رأيتهم وقد حاق بهم جزاء هذا الظلم كرد وجوههم مسودة وهم يسحبون في السلاسل على وجوههم ، وجهنم تكاد تتميز عليهم غيظا ، وهم قد هدّهم الندم والحسرة ، وقطع بهم الأسف والحيرة لرأيت أمرا يهول منظره ، فكيف يكون مذاقه ومخبره ! فعطف عليه ما هو أقرب منه ، فقال كالمفصل لإجمال ذلك التهديد مبرزا بدل ضميرهم الوصف الذي أداهم إلى ذلك : وَلَوْ تَرى أي يكون منك رؤية فيما هو دون ذلك إِذِ الظَّالِمُونَ أي لأجل مطلق الظلم فكيف بما ذكر منه ! واللام للجنس الداخل فيه هؤلاء دخولا أوليا فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ أي شدائده التي قد غمرتهم كما يغمر البحر الخضم من يغرق فيه ، فهو يرفعه ويخفضه ويبتلعه ويلفظه ، لا بد له منه وَالْمَلائِكَةُ أي الذين طلبوا جهلا منهم إنزال بعضهم على وجه الظهور لهم ، وأخبرناهم أنهم لا ينزلون إلا لفصل الأمور وإنجاز المقدور باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أي إليهم بالمكروه لنزع أرواحهم وسلّها وافية من أشباحهم كما يسل السفود المشعب من الحديد